السيد محمد تقي المدرسي
226
العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)
وهكذا نصل إلى جوهر الدليل الثاني الذي أقامه ملا صدرا على نظريته في وحدة الوجود ، فهو يزعم أن علة المخلوقات ( وليس خالق المخلوقات حسب تعبيرنا ) لابد أن تستمر مع المعلول . فإذاً ليس المعلول سوى تلك العلة ولكن في مرتبة دانية . يقول : الوجود المطلق ( أي الله في زعمه ) هو كل الأشياء على وجه أبسط ، وذلك لأنه فاعل كل وجود مقيد وكماله ، ومبدأ كل فضيلة أولى بتلك الفضيلة من ذي المبدأ ، فمبدأ كل الأشياء وفياضها يجب أن يكون هو كل الأشياء على وجه أرفع وأعلى « 1 » . ولقد غفل هذا الفيلسوف عن تعالي الرب من أن يكون جزءاً من حقائق الكون الناقصة ، وإن فاعليته ليست بالفيض الذي هو نوع ولادة ، أوليس الشعاع وليد الحرارة ، والعبق وليد العطر ؟ وأن العقل يحكم بأن بديع السماوات والأرض أجلّ من نسبة العجز إليه ، والزعم بأنه لا يستطيع إبداع الحقائق إلا بالتنزل عن مرتبته إلى مراتب دنيا ، وبالاضطرار ، مقولة ضالة . يقول العلامة الطهراني : فإن الفطرة والعقل حاكمان بأن ذاتاً ما ، يكون قادراً على إبداع الحقائق والأشياء لا من شيء ، أشرف وأكمل من ذات يكون فاعليته وقادريته هو بعين فياضيته من ذاته ، وهذا النحو من الفاعلية هو من كمالاته ، وخصائصه ذاته تعالى شأنه وليس كمثله شيء ، وما قدروا الله حق قدره « 2 » . والواقع إن محاولة فهم كيفية الخلق ، وكيفية الخالق ، جعلت قدماء الفلاسفة البعيدين عن رسالات الله مثل أفلوطين ومن استوحى أفلوطين منهم حكمته وهم قدماء الفرس ، جعلتهم يشبّهون الله بخلقه ، ويزعمون أن العالم صدر من الله تعالى كما تصدر أشياء الكون عن بعضها ، غافلين عن نقطتين هامتين :
--> ( 1 ) ( ) ميزان المطالب ، ص 34 عن الأسفار ، ج 3 ، ص 23 . ( 2 ) ( ) ميزان المطالب ، ص 35 ، ج 1 .